
كان موعد مع نقاء ثلج لبنان، في فاريا، لتلاميذ صف الاول ثانوي في مدرسة الاليزيه… الله اعطانا الطبيعة لنشاهد بها روعة الجمال وابداع الخلق، وبها نتسلى وننسى الهموم. ويحق للتلاميذ بأن “يروّحوا عن ذواتهم”، وينسوا هموم الدرس وضجر المدرسة، ولهم الوقت الكافي حتى يكونوا سويةً فيعيشوا فرحة اللقاء من خلال الترفيه معاً. نعم هذا كان ملخص الرحلة وهدف مسؤولين المدرسة ، فرح التلاميذ وراحتهم … فلهم الحق في ذلك.
نخطط “ونمشرع”، ولكن… بهجة اللقاء وفرح التسلية، غابتا في ذلك النهار .. لأن جورجيت مسلّم واليان مسلّم، تركتا الرحلة قسراً، لتكونان على فراش الالم في مستشفى سان جورج – عجلتون، بعد حادثٍ تعرضتان له بانزلاقهما على الثلج… ارادتا أن تفرحان اكثر ، فاذا بهما …
جورجيت واليان، ابنتي الـ 17 سنة، في اوجّ العمر،تصرخان من شدّة الالم، ودموع اهلهما الاتقياء بقرب هذا الالم، ترافقانه بعمق الصلاة، وصمت الاستغراب، وسكوت التساؤل… والجواب لكل زائرِ : “نشكر الله، لِبعدن طيبين…شايفِنن اقدام عيونّا…” كجواب وتاكيد للسؤال المطروح : – “يد الله… أين كانت”؟ّ … -“بعدن طيبين”…
في كل كارثة وامام كلِّ “مصيبة”، سؤال يُطرح: “مَن المسؤول؟” ليكون هو المتهم الأول. ومَن غير الله نضعفه أمام اتهاماتنا ليتلقى هكذا اتهام: “أين هو؟ وأين مفعول صلوات الصبايا، وتقوى الاهلِ، ودعاء الاصدقاء؟ أين…؟
لسنا في صدد الدفاع عن الله، فالله ليس بحاجة لمن يدافع عنه. فمشكلة الالم والشر سرٌّ نعيشه ، ولا نريد بهذه السطور ان نحلَّ لغزه، ولكن ان نتأمل كيف عاشتاه جوريت واليان، وتخطيتاه وكيف حفر ذكراه في نفسيهما. فالألم يكتب ذكريات لا يقرأها إلاَّ قلب المتألم عندما يجلس على مقعد الشفاء.
فجورجيت بعد 72 يوماً ، واليان بعد 20 يوماً على فراش المرض، ها هما معافيتان، تملأ الابتسامة وجههما، والحيوّة حياتهما. عرفتا، واكتشفتا، واختبرتا حب الله وقدرته. وعندما سألتُ جورجيت واليان، ماذا تعلمتا من بعد هذه الحادثة، وهذا الألم، قالتا: ” تغيّرت حياتنا كثيراً نحو الأحسن… ونضجت. صرنا نفكر كثيراً قبل كل خطوة. يجب أن لا نبني قصوراً من تراب… عرفنا قيمة المشي والسير على اقدامنا… نقدّر ما اعطانا الله، ونشكره دائماً…”
نعم فالله قديراً قادراً على كلَّ شيء، ولكن ليس على سحق الاشرار، وتجنّب الكوارث وتغيير مجرى الطبيعة بمزاجيّة، وانما بمساعدة الابرار على تحمل المصاعب، وجني الفائدة الروحيّة من كل الم وكارثة.
ما عاشتاه هاتان الصبيتان من اختبار الالم والصبر، لا تحويه سطور، ولا يُعبرَ عنه بكلمات. وانما ما نكتبه ما هو الا شكر لله، واعجاب بصبر الاهل وتقواهم، وتقدير لمساندة ادارة المدرسة خير مساندة حتى النهاية. فقد عُرف أن هاتان الصبيتان لم تكونان تلمذتي المدرسة وحسب، بل ابنتيها.
نعم، فالحادثة كان لها الأثر الكبير في نفسي شخصياً، كنتُ اذكرهما دوماً بصلواتي مع كل نبضة من قلبي، وحملتهما يومياً مع القربان على مذبح الرب في القداس. وكون جورجيت قضت 50 يوماً زيادة في المستشفى أكثر ماقضت اليان، استطعتُ ان اكون أكثر بجانبها. فقد رافقتها واصغيت الى كلماتها، وتأملت بسماتها الممزوجة بأوجاع الفراش، وضجر المستشفى. لا كلام للمتألم الاَّ صمت الرجاء وأمل الشفاء. وإذا كان الفرح في العطاء اكثر منه في الأخذ، كنتُ افرح بزيارتي لها في المستشفى لمواساتها، ليس باعطائي من وقتٍ، بحضوري قربها، ولكن ما كنت آخذ من إيمان اهلها وأمانتهم وصبرهم، ومن شفافيّة جورجيت وبساطة وقوّة شخصيتها. فللصلاة كان فعلها وقوتها. وكلمات “مع الآمك يا يسوع” كانت متواصلة، وصور القديسة تريز الطفل يسوع تملأ كتب جورجيت وتغمر فراشها. وخير دليل على ذلك، هو انه بعد خروجها من المستشفى اتت جورجيتن ترافقها والدتها مباشرة الى دير سيّدة الكرمل – الحازميّة، وارتدت ثوب القديسة تريز لمدّة شهر، وعادت الى بيتها وغرفتها التي اشتاقت اليهما .
والآن جورجيت واليان عادتا الى المدرسة، والى المشاركة في جماعة الصلاة الكرمليّة Groupe de priere ، والى الحياة بحلةٍ جديدة. فالابتسامة الآن على وجهيهما، كلمعان الذهب. فالمحنة والألم مثل النار،كما يقول الآباء القديسون، فإذا وجدتك قشاً حولتك رماداً تتناثر في مهب الرياح، وإذا وجدتك ذهباً بلورتك لتكون طاهراً لامعاً تلمع بصفاء نفسك ونقاوة ضميرك.
إذا راودنا الألم واشتدت علينا المحن، وتساءلنا: ” أين هي يد الله ؟، فما علينا إلاَّ ان ننظر الى الصليب لنجد يداه معلقتان، مصلوباً حباً بنا. بموته غلب الموت، وبألآمه اعطى معنى للألم. فنفهم بأن القداسة ليست حب الألم، وانما التألم بحب. فالله حاضرٌ معنا دائماً ابداً، يغدق علينا بواسطة قديسيه وروداً من النِعَم. ولكن لا ورود دون أشواك. حب الله وعنايته شمس لا تغيب ابداً. فليست الشمس في الوقت نفسه سبب النور والظلمات. فالظلمات تأتي من غياب الشمس او من عقبات تحجب اشعاعاتها. فبعد الليل نهار، وبعد الخريف شتاء وربيع، وبعد الألم والموت رجاء وقيامة وفرح ومجد.
فشكراً يارب، على ما خلقت وما اعطيت، فأنتَ المحبةُ والحبُ انتَ، وكل حبٍ من دونك لا يكونُ.




