
أعيش في مكان وزمان يعيش فيه ملايين من بني البشر، أعيش وحيداً ربما، ولكن لست وحدي. أعيش ضمن جماعة، الا وهي عائلتي، بها ولدت واليها انتهي، ومنها امّر الى مجموعات طبعت حياتي وأثّرت بها: من المدرسة الى اولاد الحي..الى زملاء العمل..الى الرعيّة .. الى معسكر التدريب..الى الحديقة العامة ..الى الملاهي.. الى عجقة السير… الى طاولات المكتبة والمطالعة …الى الانتظار لتحصيل الرغيف الى … الى…كلها اوقات لم اكن فيها لوحدي(ولو وحيداً) وانما اناس آخرون بقربي، وما زالوا… لكل حياته .. معهم أؤلف المجتمع ضمن مجموعات متجمعة، ولا أتجاسر فأقول جماعات، لأن للجماعة مفهوم جميل يُشوّه أحياناً في تجمّعات تدّعي الجماعة. مع كل هؤلاء اقطع درب الحياة؟ ولكن من هم هؤلاء؟ ما يربطني بهم؟ لماذا هم بقربي؟ تساءلت وأتساءل؟ فأين الجواب؟وليت الكل يتساءل…
هم آخرون.
ولكن من هو الآخر؟ الآخر هو كل إنسان ليس بأنا. هو الـ أنت والـ هو. وهناك فرق بين الاثنين، ففي الأول حضور ومخاطبة، وفي الثاني غياب. وحسب الفيلسوف الفرنسي غبريال مرسيل: الآخر هو الـ انت دائماً ، لأن بالـ أنت هناك لقاء، هناك حوار، هناك نظرات متبادلة.
ولكي تصل الى الآخر وتعرفه، عليك ان تعرف ذاتك أولاً، فتجد الآخر في الـ أنا، وليس الأنا في الآخر.. وكلّما انطويت على ذاتك كلما تحوّل الآخر جحيماً، لأنه ليس أنا…
عندما تدخل ذاتك ترى بانك كائن انساني، سرُّ بحدِّ ذاته، لك الحياة مدة كي تكتشف هذا السر…وما هذا الكائن الاَّ كائن اجتماعي بعمق كيانه، حسب ما يوضح ذلك بالإجماع علماء الاجتماع، كائن لا يقدر ان يعيش بدون الآخر او بعيداً عنه. فعلى الـ هو حيث الغياب و الجماد، أن يتحوّل دائماً الى أنت حيث الحضور واللقاء: حضور الواحد للآخر… والحضور انتباه،اهتمام ومعرفة، والمعرفة تتطلب مبادرة ومسيرة صوب من نريد أن نعرف. وهذا ما ينقصنا في عصر نعيشه، طغت فيه الفرديّة، وسيطرت الانانيّة وتعالت فيه المصالح الشخصيّة على الجماعيّة منها، فأصبح الأنا دائماً … واي أنا؟..ولا أنت الاَّ بعده.
قريبك بقربك، فعش معه لا بالقرب منه. ، فهو ليس شيئاً انه شخص ، انه بشر… عش معه، كلّمه أي اعتبره، وقدّره فهو موجود بكيانه ، لأن في المعيّة مشاركة وتقاسم.
الآخر بقربك فلا تدعه هناك، بل انظر اليه نظرة صافية إذ ذاك تكون قد احببته، مثلما فعل يسوع مع الشاب الغني: نظر اليه وأحبّه. انظر اليه لأن في النظرة اعتبار، حضور تأكيد كياني للوجود، فيصبح الـ هو أنت، فتأتي به من ظلمات التغيّب الى نور الحب والحضور. بالحب تدخل الى قلبه وبالحب تدخله الى قلبك. في النظرة ملاقاة، وفي الملاقاة شوق للجلوس والمؤانسة. وكم من مرّة تتلاقى العيون على ارصفة الشوارع، وفي ازدحام المدينة، فتتناثر في هواء الخوف واللامبالاة. تنظر احياناً الى آخر يمرّ بالقرب منك، فتجده ينظر اليك صدفةً، تتلاقى العيون فلا يتشجّع احد ان يحتفظ بتلك النظرة فيرميها إما خوفاً وإمّا خجلاً.
ما زلنا بشر، تنبض قلوبنا بالحياة، ولسنا حجارة تتحرك على الارصفة او وراء طاولات المكاتب. الحياة لنا ونحن لها، وما هي إلاّ علاقة من القلب الى القلب، حيث الحب هو الطريق، الذي فيه وعليه ألتقي وجه من هو على صورة الله. وما يخلّد الوجود الاَّ تلك العلاقة، لأن الشخص ليس اسماً على حجر في زاوية القبور، ولا حبراً في اسفل مقال، ولا شعاراً على يافطة، ولا نحتاً في تماثيل.. وانما ذكراً في بال…
فيا انسان، مهما تكن، وفي أي منصب تكن ولست تعرف بعد ان تنظر الى الآخر، فقيراً كان او غنياً، متكبراً او متواضعاً، جاهلاً او عالماً ، فيلسوفاً او أحمق، صناعياً أو فلاّحاً، تبقى شخص لا يقدر بعد أن يكون. فلكل شخص قلب كقلبك، والقلب هيكل يرن فيه خشوع الله، فادخل إليه …إنه هديه الله لك…لا تخف من رهبته…فهناك الحياة: حياتك.




