إنَّ هذا الموقع، هو الموقع الخاص والرسمي الوحيد للاب ميشال عبود الكرملي
مقالات
نشط

معجزة تكثير الخبز

ها هي معجزة تكثير الخبز تطلّ علينا بين صفحات الإنجيل لتشدّ أنظارنا نحو سرّ سخاء الرب، وسرّ حضوره في الافخارستيا. وكما أنّ الحديث عن تقديس الخبز والخمر، والآلام والصّلب يرد في الأناجيل الأربعة، نظرًا لأهمّيّته ولما يتضمّنه من ركائز أساسيّة في الحياة المسيحيّة، كذلك نجد أنّ معجزة تكثير الخبز، تُذكر من قِبَل الإنجيليّين الأربعة (مت14/13-21، مت15/32-38، مر6/31-44، مر8/1-10، لو9/10-17، يو6/1-13)، وتتكرّر مرّتين في إنجيل متّى ومرقس، وفي ذلك إشارة واضحة وبيّنة إلى مدى أهمّيّتها أيضًا. ولفهم جوهر هذه المعجزة لا بدّ لنا من التّعمّق في سطورها والتّأمّل في معناها.

ففي تأملنا هذا، والمقتصر على بعض السّطور، سوف نحاول الغوص معًا في الرّوايات الأربعة، منتقلين من نصّ لآخر، متيقّنين بأنّها سواقٍ نابعة من الينبوع نفسه الذي هو قلب الله، والتي تصب في المحيط  ذاته، الا وهو قلب الانسان.

“أُشفِقُ على هذا الجمع“(مر 8/2) هذا ما قاله يسوع لتلاميذه، لأنّه صاحب قلب مملوء بالعاطفة ويفيض شفقة على الآخرين. إنه قلب إله ليس ببعيد عن آلام البشر، إنّه يتحسس معهم وينظرهم  بعين العطف والحنان.أمّا جواب التّلاميذ فكان: “اصرف الجموع ليذهبوا الى القرى ويشتروا لها طعاماً” (مت 14/15)، إنّها كلمات تعبّر عن محدوديّة البشر، ولامبالاة الإنسان بأخيه الإنسان، همّه الوحيد أن يظلّ مرتاحًا، وأن لا يُزعجَ من أحدٍ… فيأتي ردّ الرّبّ بالمقابل: “أعطوهم أنتم ما يأكلون” (مر6/37) ليوجّه بالتّالي أنظارهم نحو المحتاجين، فيليّن قلوبهم… وهو لا يقول هذا ليختبر الإنسان، “فهو يعرف ما في قلب الانسان” بل ليضعه أمام اختبار حقيقيّ لذاته ولقدراته، فيعلّمنا الإتّكال عليه أثناء كلّ ضيق وشدّة.

يُذكر في إنجيلَي لوقا ويوحنّا، وفي الرّواية الأولى لكلّ من متّى ومرقس، توفّر “خمسة أرغفة وسمكتين“(مت14/17)  ليشكّلان معًا العدد “سبعة”. وكذلك في الرّواية الثّانية لدى متّى ومرقس نلاحظ أنّ عدد الأرغفة هو أيضًا سبعة. وذلك للإشارة  إلى كمال خيرات الله والمرموز به من خلال العدد سبعة في الكتاب المقدّس. أمّا الخبز فهو رمز الحياة، نطلبه دومًا في صلاتنا اليوميّة، الأبانا، ونجنيه بعرق جبيننا، والسّمك هو أكل الفقراء آنذاك، أكل من صنع الله.

“أمر الجموع بالقعود على العشب“، نستذكر هنا صلاة المزمور: ” الرب راعي فلا يعوزني شيء، في مراعٍ خصيبة يقودني…”. “أخذ الخبز وشكر وبارك وكسر“، كلّها أفعال تشكّل سرّ الإفخارستيّا، وقد صنعها الرّبّ ليلة آلامه عندما أعطانا جسده الّذي هو مأكل حقًّا، فنأكل منه ولا نموت، ودمه الّذي هو كفّارة عن خطايانا، دم الحمل الّذي غسل حلل الشّهداء والعذارى. “كسر وبارك” بهذينالفعلينقد عرف تلميذا عمّاوس أنّه الرّبّ. ونحن من نسير على دروب الحياة، وعيوننا محجوبة عن معرفة من هو الحقّ والحقيقة، عن معرفة يسوع الّذي يسير معنا جنبًا إلى جنب، إنّنا مدعوّون بدورنا لأن نعرفه عند كسر الخبز والشّركة. وإن تساءلنا يومًا أين هو الرّبّ، فما علينا إلّا أن نراه حاضرًاأبدًا في سرّ القربان، فنتناوله ونقتات منه وندعو الكلّ ليتذوّقوه وينظروا ما أطيبه. باركَ الرب الخبزَ، كسره وكثَّره، كي ندرك ونؤمن بأنّ كلّ ما نعطيه للرّبّ، ومهما كان ضئيلًا ، سيتضاعف بين يديه.

في الاناجيل الازائيّة يذكر “بأنه أعطى تلاميذه وهم وزّعوا الى الجموع“، فأكل الكلّ وشبعوا، لأنهم ائتمنوا على ما اُعطي لهم. ومن هنا نفهم أنّ مشاكل الجوع والفقر في عالمنا الحاضر، ليست متأتية من نقص في خيرات الله، وانما من سوء أمانة من ائتمنوا على توزيع تلك الخيرات. ونحن نعلم بأنّ لا الكنيسة ولا الحكومات بحاجة للأموال لإطعام الفقراء والجائعين إنّما لأشخاص يقدّموا ذواتهم، لأشخاص مثل الرسل، عايشوا المسيح واختبروا صداقته، فأوصلوا الامانة كاملة الى بني البشرِ، وأعطوا ممّا أفاض الرب عليهم، وما وُضعَ بين ايديهم. فعمل الخير إذًا  لا يتأتّى إلاَّ  من خلال صداقة حميمة مع المسيح.

“اعطى الرسل ليعطوا”، ونحن بالمقابل لا نُعطى المسيح إلّا من خلال  الكنيسة وحدها، التي هي جسد المسيح وعروسه. فيها أعيش قداستي وفيها أموت لأحيا مع المسيح، لأنه من أجلها مات وبذل ذاته.“فأكلوا كلّهم حتى شبعوا، ورفعوا ما فضل من الكِسَر: اثنتي عشَرَةَ قفة ممتلئة” (مت14/20). وحده يسوع يشبع جوعنا بجسده، فمن يأكل جسده الذي هو خبز الحياة لا يموت أبداً، بل يُعطى الحياة الأبديّة، ، ويقودنا الى السماء حيث نعرفه معرفةً كاملة ونُشبع من الحبّ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Skip to content