
“تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم. اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم، 30لأَنَّ نِيري لَطيفٌ وحِملي خَفيف” (متى11/28-30). إنها كلمة المعلّم الإلهي موجّهة إلى كل نفس ترزح تحت نير هموم الحياة ومأساة العمر، والمشاكل اليومية، كي تأتي الى ذلك القلب الرحيم لتنهل كنوز الرحمة والحنان. أي شخص أو عائلة أو جماعة، ليس لديهم همّ أو مشكلة في هذه الحياة؟ لسنا ملائكة ولسنا حجارة. إننا بشر نحمل في ذواتنا الضعف الانساني وشوكة الموت مزروعة في ورود حياتنا. لكنه هو، أي يسوع، إلهنا المتجسد صار مثلنا وتبنى ضعفنا البشري، حمل عاهاتنا وآلامنا، لا لكي يلغي الألم والموت، بل ليعطي للألم معنى ويجعل الموت حياة.
هذا هو حب الله اللامحدود الذي أرسل ابنه إلينا ليعطينا الحياة وتكون الحياة لنا بوفرة. سرّ الحب هذا نفهمه بالنظرة إلى الصليب، إلى ذاك المطعون بحربة، الى الذي ولدت الكنيسة من جنبه الطاهر، ونوجّه أنظارنا الى تلك الأم الحنون الواقفة تشارك فلذة كبدها آلامه وآهاته، فنتذكر معها كلمة سمعان الشيخ: “وأنتِ سينفذ سيف في قلبِك…” فمع قلب الابن، مع قلب يسوع، لا نقدر إلاّ أن نكرّم قلب الأم، قلب مريم الطاهر.
من دون ان ندخل في تاريخ عبادة القلب الأقدس، لا بدّ لنا إلاَّ أن نيشر بأن هذه العبادة كان لها المكان الأكبر في حياة وتاريخ الكنيسة، وأنّ كثيراً من الأعمال اللاهوتية درست بعمق وتأملت جوهرها وركّزت على أهميتها في الحياة الروحية. يقول البابا يوحنا بولس الثاني “أتمنى أن تتابع إنتشار العبادة الحقيقية لقلب يسوع. وأن نجد كل الوسائل الممكنة والجديرة بأن تطبق هذه العبادة حتى يتمكن إنسان اليوم من وجود الجواب الحقيقي عن كل تساؤلاته”.
إن السلطة الكنسية تخص عبادة قلب يسوع بمكان خاص في الحياة الروحية. إنها ضرورية للإنفتاح والنضوج الروحي للنفوس، لأنها مرتبطة بعمل الفداء وملتزمة بأسس العقائد المسيحية. بها ندرك سر الله الثالوث، الله محبة، ندرك سرّ التجسد، ونعيش سرَّ الفداء. هذه العبادة الحقيقية للقلب الإلهي هي معطاة لكل مسيحي كإحدى الطرق الروحية الأكثر سمواً وهي بدون شك طريقة بسيطة ومباشرة لاكتشاف سرّ حب الله اللامتناهي. ان التأمل بالقلب الإلهي المشع حباً، الذي يضيء أعماق النفس يجعل كل متأمل ينشد مع صاحب المزامير يهتف قائلاً: “بنورك نعاين النور يا الله” (مز 35/10).
يا يسوع الوديع والمتواضع القلب، اجعل قلبنا مثل قلبك.




