
نبحث عن كنز عرفنا بوجوده، ولكن كأننا أضعناه، أخبرونا عنه ولكن لا نعرف أين هو. عرفناه مرّة ولكن لا وقت لدينا لننظر إليه. الكنز هو حضور الله في داخلنا، الكنز هو الله في ذاته. أَلم يعطينا يسوع نفسه مثل من اكتشف كنزاً في حقلٍ فباع كل ما يملك وذهب واشترى ذلك الحقل، ليمتلك الكنز. وهذا ما اكتشفته اليزابيت حين عرفت أن اسمها يعني: “بيت الله”. وأن كل إنسان هو مسكن للثالوث الأقدس وأن غاية الإنسان تكمن في أن يكتشف الله الحاضر في عمق أعماق الكيان. فلا بدّ أن نبيع كل شيء وأن نربح من أُعطيَ لنا. اننا نبحث عن الله ونحن نمتلكه لا بل نحمله. اننا نشعر بأننا فقراء ولكن نحن أغنياء، نشعر بأعماق ذواتنا بأننا خطأة ولكن نحن مخلّصون. هذا ما اكتشفته اليزابيت عندما اكتشفت ان الثالوث الأقدس يسكن في الإنسان الذي يتألّه عندما يقبل سرَّ الله وسرّ المسيح في حياته.
إنها المئوية الأولى لوفاة الطوباوية اليزابيت للثالوث، فالكنيسة كلها والرهبنة الكرمليّة في العالم تحتفل بها، لا لتكرّم اليزابيت اكثر من غيرها أو لتسعى إلى إعلان قداستها، أو لتخلق مناسبة تلهي بها المؤمنين وتملأ أوقاتهم وإنما ليكتشف المؤمنون في كتاباتها وحياتها سرّ الصلاة والغوص في سرّ الله. وخصوصاً إلى كل ساعي لعيش الروحانية الكرمليّة. هذه الروحانية عاشتها اليزابيت على مثال قديسي الكرمل الكبار، فنهلت وتأملت بالكتاب المقدّس وعرفت أن الأرض والسماء تزولان وكلام الله لا يزول، وعرفت أن في شريعة الرب سرورها ليلاً نهاراً، وأن جوهر الكرمل كما الحياة المسيحية بكاملها مبنية على الاتحاد بشخص يسوع المسيح، الذي كشف لنا وجه “الله محبة” الله الثالوث.
اليزابيت تعلّمت وتدرّجت في مدرسة اتريزا الآفيلية ويوحنا الصليب وقرأت قصة نفس تريز الطفل يسوع وعرفت معهم أن النفس الكرملية هي نفس واقفة عند أقدام الصليب تتأمل المسيح الذي مات من أجل خطايانا وعملنا الحب حتى النهاية في بذل الذات والغفران. وان هذه النفس هي نفس رسولية بامتياز، لأن من يكتشف الله لا يقدر ان يحتفظه لنفسه او له وحده، وإنما يسعى ليُبشِّرَ به إخوته جميعاً.
اليزابيت مثلها مثل تريزا الطفل يسوع، مثل مئات الكرمليات المحصنات، دخلت ديرها ولم تخرج منه إلا محمّلةً في نعشٍ. وها هي رسولة تحمل البشرى بعد مماتها إلى أقاصي الأرض، ها هي كلماتها يصلّيها ملايين البشر. معها نعرف أن الرسالة لا تكمن فقط في الكلام وإنما في خبرة حبٍ تعاش في كل لحظة مُتخمِّرة في الصمت الصلاة، يكشفها الله لمن يشاء وفي الوقت الذي الذي يشاء.كتاباتها تُقرأ من ملايين المسيحيين: منهم مَن يرى فيها دعوة إلى القداسة، مثالاً يُقتدى به وأجوبة على أسئلة الحياة. دعونا اليوم نسمع كلمة البشارة من اليزابيت، وخصوصاً نحن الذين نعيش الروحانية الكرملية في الجماعات الرهبانية والعلمانية. مئويتها هي دافع ان نرتّب بيتنا الكرملي، وأن نزيل الغبار عن عيش هذه الروحانية في لبنان ليظهر لنا لمعانها ويضيء نفوسنا وعيوننا لنصبح “نوراً في العالم” نتبع من هو “نور العالم” فلا نمشي أبداً في الظلام.
نحمل في حياتنا كنزاً وفي جيوبنا “بوصلات” Boussoles تدلنا عليه، وهذه البوصلات هي الروحانية الكرمليّة. فلا نبقيها في ارشيفنا ولا نتركها ضائعة بين دفاتر اجتماعاتنا وتنظيماتنا او على رفوف مكاتبنا بل فلنعشها ونتأملها ولتكن لنا حافزاً حتى نتعمّق اكثر فأكثر في سرّ المسيح.
الكلمات والمقالات التي كتبت عنها، ما هي إلاّ بعض النقاط، أو مذاق نقول من خلالها:” ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب” ما أطيب كلامه الذي “أشهى من العسل” مقدماً على طبقٍ كتابات طوباويتنا المحبوبة. ونحن مدعوون دائماً إلى قراءة أعمالها الكاملة التي بُنيت على أساس الكتاب المقدّس الذي له الحياة مدّة كي يُسبَرُ غوره.
فالمئوية هي محطة في مسيرة هذه الحياة ونحن نعبر بها إلى المجد الآتي إلى الحياة الأخرى. هي علامات وإشارات لتدلّنا على الاتجاه الصحيح.
فهلاَّ وضعنا ذواتنا امام كلمة الله لنتأمل ونفحص التزاماتنا الانسانية والمسيحيّة الكرملية لنرى اين نحن؟




